محمد بن عمر التونسي
273
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
في مصر ، ويشتدّ خوفهم منه لأنّه قتّال جدا ، وكلّ من مرض به منهم ( 249 ) أخرجوه من البلد إلى محلّ آخر في الخلاء ، وبنوا له عشّة « 1 » تسمّى عندهم ب « الكربابة » وتركوا عنده من يخدمه ممّن يكون قد مرض بالجدرى . وكلّما مرض آخر نقلوه إليه وهكذا ، وهذا هو : الكرنتينة ، بعينها . تنبيه : أخوف أهل السودان من الجدري أعراب باديتهم ، لأنّ الجدري إن دخل في حىّ من أحيائهم أفناه ، فلذلك تراهم أخوف الناس منه . ولقد أخبرني رجل من أكابر البرقد يقال له : عثمان ود علّو ، أنه كان مرض بالجدرى وقاسى ما قاسى ثم شفاه اللّه ، فلما قشر جدريّه ، وقبل أن يندمل ، صار يؤذيه الذباب ، فكان يتلثّم لأجل ذلك ، قال : بينما أنا ذات يوم متلثّم واقف على باب دارى ، إذ رأيت أعرابيّا قد جاء يمشى مشيّة الخائف ، فلما رآني أقبل علىّ حتى دنا منى وسلّم علىّ ، ثم قال : أمانة عليك « 2 » ، هل في حلّتكم هذه جدرى ؟ فقلت : كفانا اللّه شرّ الأمانة . ورفعت اللّثام عن وجهي ، فحين رآني صاح صيحة عظيمة ، وسقط إلى الأرض ، فجاء لصيحته إخوانه من الأعراب فرفعوه وذهبوا به ، وكنت أنا حين جاء إخوانه فررت لئلّا يقتلوني . فبلغني بعد ذلك أنه مات بعد ثلاثة أيام . ومن خرافات أهل السودان أنهم يقولون : إن الجدري حيوان لا يشاهد إلا أثره يعلق بالإنسان فيقتله . وسمعت من كثير منهم أنه رأى أثره ، ( 250 ) ويتواطئون على ذلك ، ويصدّق بعضهم بعضا . وسألتهم عن أثره كيف هو ؟ فقالوا « 3 » : أثره نكت
--> ( 1 ) لفظة عامية وردت بغير ضبط في الأصل . ( 2 ) عبارة عامية . ( 3 ) في الأصل : فقال .